- بقلم: الصلت بن أحمد بن حمد الخصيبي، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية.
أيها القارئ…
لن تكون قارئًا حقًّا حتى تُحسن صُحبة النص، فلا تمرّ به مرور العابر، ولا تلمسه لمسًا خاطفًا، بل تُداخله مداخلة الروح للجسد، وتخوِّض فارسا في غبار معانيه؛ تكرُّ عليه كلمةً كلمةً وتركيبا تركيبا، تقلِّبه تقليب المطرد والمجنّ، غير مكتفٍ بوصف معدنه وزخرفه، بل لتختبر صلادته، وتُعمله في ميدان البيان.
فإذا رميتَ بسهم الفكرة فأصبت، فلا تعجل بالانصراف، بل دُلَّ الناس حولك على موضع الإصابة، ولا تكتف بذلك حتى تريَهم عُمقَ الجرح، أي الدلالة في السياق، هكذا مواجهة المعاني حتى يقفلَ من كانت غنيمتُه حرْباء
أيها القارئ…
اقرأ النص قراءة النديم لكأسه؛ يرنِّحها يمينا وشمالا، يتأمل صفاءها، يتفقد ألوانها، يراجع مزاجها، يراقب فقاقيعها، ثم لا يرضى بسطحها حتى يسبر قعرها، فكذلك النصّ لا يُفصح بسرّه لمن يستعجله، ولا يُسلم طوْعَه لمن يعانده، وإنما يكاشف من يكاشفه، ويبوح لمن يلاطفه، بطول التأمل وحسن السؤال، وتدرُّج العارف فإن المعاني عزيزة، لا بدّ لها من طول نظر، وحُسن إصغاء، وصبر على الإقامة في ظلالها.
أنشد الجواهريّ:
أنّي أظَلُّ مع الرعيَةِ مُرْهَقاً
أنّي أظَلُّ مع الرعيَّةِ لاغبا
يتبجَّحُونَ بأنَّ موجاً طاغياً
سَدُّوا عليهِ مَنافذاً ومَساربا
كَذبوا فملءُ فمِ الزّمان قصائدي
أبداً تجوبُ مَشارقاً ومغاربا
تستَلُّ من أظفارِهم وتحطُّ من
أقدارْهم وتثلُّ مجدا كاذبا
شاهد المقال البيت الأخير:
أنا حتفُهم ألِجُ البيوتَ عليهم ُ
أُغري الوليدَ بشتمهمْ والحاجبا
قوله: "أنا حتفهم"
لا تلفح رائحتُها الدلالية بأي معنى للهلاك، بل بمعنى الهلاك المذلّ المخزي، لِمَا تسحب من أذيال دلالة حتف الأنف، وهذا أوقع ألمًا وأذلُّ وعيدا، وللحتف دلالة الهلاك المحتوم الذي لا مفَرَّ منه، والشاعر لا يعني نفْسَه حقيقةً في “أنا حتفهم”، وإنما يعني شعره هو حتفهم، وإنما حذف المسبب -شعره- وذكر السبب -أنا- لشدة تلبُّس المسبب بالسبب واختصاصه به، فكأنه لا يوجَد شِعر قادرٌ على قتل الأعداء وقتها غير شعر الجواهريِّ، ليس لذات الشعر، بل لذات الجواهري، فلأنه من الجواهري امتلك عندها هذه الطاقة الخارقة، وهكذا فالأشعار كثيرة غفيرة، وإنما تتفاوت بتفاوت أصحابها، ويدلُّ “أنا حتفهم” أيضًا على تمام الذوبان بين الجواهريِّ وشعره، فَهُما شيء أحد.
وقوله: "ألج البيوت عليهم"
إنَّ للولوج هنا معنى الانسياب والانسلال وهو مناسبٌ لحركة الأشعار الهوائية، فكأنه ينسلُّ إلى بيوتهم انسلال الحيّة، ثم يشول شولان الموت المباغت المفترس، وهذا الأمر يرتكبه جريئا جَسورا غير مرَّة واحدة، بل مُستمِرًّا عليه استمرارَ العادة؛ لِدلالة الفعل المضارع “ألج” في أمنع أماكنهم وأكثرِها أمانا وأخصِّها لهم وهي "البيوت" حيث يرخي المرء حِبالَ حذره، متمدِّدًا وادعًا على سُرُرِه، لا تطاله الأيدي ولا تقتنصه الأعين، بين أهله وحرَسه، فكان إذًا الإيقاعُ به في بيته أهول. أما قوله "عليهم" فهذي أدلُّ على المغالبة والقهر؛ لِما فيها من دلالة الاستعلاء، ولو قال: "ألج بيوتهم" لَمَا كانت بهذا اللون مازت، ولهذه المَلَكة الفنيَّة حازت.
وقد تحتمل "ألج" معنى الاقتحام المباشر من الباب بدل الانسياب والتسلل دلالةً على الجرأة، والعَرَب تُسمِّي هذا دغْرا ودغَرى، وهي سيّارة في دارجتنا العمانية، أنشد الراجز:
قالتْ عمان دغَرى لا صفَّا
بكرٌ وجمع الأزد حين التفَّا
ولكن للانسياب وجهه المعجميّ أيضا، فالوَلَجَة: الموضع المستتر أو الكهف، والوالجة متخفيّة السباع والحيَّات، قال ابن مسعود: "إِياكم والمُناخَ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ فإِنه مَنْزِلُ الوالِجَةِ"(لسان العرب)، وهي كلمة سابقة في دارجتنا أيضا، فنقول مثلا: مكان والج، أي متستِّر.
وقوله: "أغري الوليد بشتمهم"
إن الإغراء له خاصُّ دلالة، فهو المحتمل التزيين والتحسين، بريئا من الإرغام والإجبار، فهو إذًا بشعره يغري الوليد بشتم ربِّ البيت في بيته طائعا لا كارهًا، والوليد مصدِّق ذلك راءٍ أنه مستحق للشتم غير هائب منه ولا راهب، بل يجد لذلك الشتم حلاوة وطلاوة بمدلول فعل “أغري”، فيرسلها قذائفَ ساخرة لاعبة بشرف رب البيت، ولا إخال الوليد إلا وليده أي ابنه، وأين عزّة رب البيت إذا أهانه صِبيانه وتغنَّوا بذمِّه في بيته وحضرته! ماء وجهه جفّ، وجبل وقاره خفّ.
ولا يحقِرنَّ امرؤ تسليطَ الجواهريِّ وليدَه بالشتم دون غيره من أنواع الأذى وآلاته، فرُبَّ شتمٍ أوجع من ضرب، وكم قتلت الكلمة حين عجز السيف، وأي أذى أشدُّ من مداولة الزمان، واحتقار الصبيان، وشماتة العدوان، فلعمري لَهذه الحالات أدهى وأمرُّ من السيف الماضي والقدر القاضي ترقُّ له العنق ويرقُّ لها فيستريحان بضربة واحدة خاطفة، أما نصْلُ هذه الحالات فنصْل رديء بطيء تعذيبيّ، يحزُّ ويحزُّ النَّسيجَ بعد النسيج والعِرْقَ بعد العِرْق والودَج بعد الودَج حتى يقطع عنق الرجل أخيرًا، والرجل في ذلك كله يعاين تقاطر دمائه قطرة فقطرة، ويذوق الموت سكرة فسكرة، فهو يُرجِّي من النصل خيره، ولا يأمن شرَّه، بلا حول منه ولا قدرة، لا هو ناجٍ تُرفع عنه الشفرة، ولا قتيل فيرتاح المرَّة، هو في منزلة بين منزلتين، يُحَمْدِلُ فيه الأملُ الساذجُ إذا تحسَّسَ باقيَه، ويُحَوْقِلُ له اليأسُ العاقِلُ إذا تفـقَّد فانيَه، يتراجع ويتدافع.
كـرًّا على البيت، قول الجواهريّ: "أغري الوليد بشتمهم والحاجبا"
أما الحاجب فهو أمين المحجوب وطليع أسراره وأخباره، ومخارجه وموالجه، وهو أخصُّ الخاصَّة في البيوت، وذِكْرُه الحاجب في البيوت هنا يوحي إلى غنى أرباب البيوت، وتوافد الناس إليهم من كل حدب وصوب، حتى لزمهم حاجب بينهم وبين الناس، وبعد معرفة مكانة الحاجب الجُلَّى، كان شتمه -أي الحاجب- لِرَبِّ البيت أعظم وآلم، ومن رسالة عبد الملك بن مروان:
"انظر من تجعل حاجبك، ولا تجعله إلا عاقلا فهما مفهما، صدوقا لا يورد عليك كذبا، يحسن الأداء إليك والأداء عنك، ومُرْه ألا يقف ببابك أحد من الاحرار إلا أخبرك حتى تكون أنت الآذن له أو المانع، فإنه إن لم يفعل كان هو الأمير وأنت الحاجب" (الرسائل للجاحظ)وبعد شتم الوليد المرتجى هيبته لرب البيت، وبعد شتم الحاجب المرتجى إخلاصه لرب البيت، يتمزَّق ربُّ البيت ألعوبةً مشدودةً بين يديهما، لا كرامة له ولا عزة، فلا ابنه يبرُّه، ولا حاجبه يسرُّه، ولا تنفذ سطوته وأمرُه، فأي شيء في البيت يقرُّه، الله المستعان، وهكذا ندرك أنَّ أعداء الجواهريّ ليسوا أيَّ أعداء، وإنما قيمة المرء من قيمة أعدائه، وهنا أعداء الجواهريّ أهل خطر وسلطة محجوبون بالحُجَّاب، ولكنَّ سلطة الكلمات قهرتهم، وخِفَّة الأشعار تجاوزت حُجَّابهم، بل جعلت حُجَّابهم يتخلَّون عن واجبهم لأسيادهم مستسلمين لها كما استسلام أولاد الأسياد قبلهم، هكذا يقتل الجواهريُّ أعداءه قتلًا خفيًّا ذكيًّا دون تلطيخ يد، ولا تمزيق جلد، لا يقتلهم من الخارج، بل من الداخل، من داخل بيوتهم.