تجسير الإبداع والأكاديمية
- د.نجلاء السعدي ،استاذ مشارك بقسم التربية الفنية كلية التربية .
شهدت قاعة المعارض والمؤتمرات بجامعة السلطان قابوس في الرابع من مارس لعام 2026م تظاهرة فنية وأكاديمية بارزة تمثلت في افتتاح معرض التربية الفنية السابع والعشرين الذي ضم ما يزيد عن 200 عمل فني ، والذي يعد أحد المرتكزات الاستراتيجية التي ينظمها قسم التربية الفنية لإبراز المخرجات التعليمية والتحصيلية للطلبة. ويأتي هذا المعرض ليكون مرآة عاكسة للجهود المنهجية المبذولة في المقررات العملية، ومؤشراً حيوياً على المستوى الفني المتقدم الذي بلغه الطلبة في سبر أغوار مقررات التربية الفنية بمختلف مجالاتها ، حيث تتبدى فيه قدرة المؤسسة الأكاديمية على مواءمة الفكر النظري مع الممارسة التطبيقية الواعية.
وقد تجلى في أروقة المعرض تدفقاً لنتاج فني غزير اتسم بالشمولية المنهجية والتنوع الأسلوبي، حيث توزعت الأعمال المعروضة بين الممارسات التقليدية والمعاصرة في مجال الفن، شملت مجالات متعددة منها :الرسم، والتصوير، والتصميم، والطباعة، والخزف، والنحت، والنسيج، والأشغال الفنية، إضافة إلى التصميم الجرافيكي. كما برزت في هذا السياق نتاجات نوعية لمقررات (اختياري التخصص) التي عكست توجهاً بحثياً معمقاً، لاسيما في مقررات التقنيات المعاصرة في الفن، والتشكيل المجسم، والحفر الجرافيكي،والحرف الفنية والمهارات الفنية الحياتية وغيرها من المقررات المتنوعة للطالب وفق خطتهم الدراسية . مما أتاح للمتلقي فرصة استثنائية لاستكشاف ثراء التجارب الطلابية وقدرتها على تطويع الحلول التقنية المبتكرة في تنفيذ الرؤى الجمالية. ولم يقف المعرض عند حدود استعراض الممارسات الأكاديمية لنتاجات المقررات العملية بمختلف مجالاتها، بل أفرد ركناً محورياً لمشاريع تخرج طلاب السنة الاخيرة لطلاب قسم التربية الفنية، والتي مثلت ذروة النضج الفني والفكري؛ إذ كشفت تلك المشاريع الفنية عن قدرات بحثية وجمالية فائقة في معالجة المفاهيم الفنية، وتوظيفها بأساليب غير نمطية تتجاوز التقليد إلى آفاق الابتكار والتجريب للفن المعاصر .
كما عكس المعرض تلاحماً بين مختلف المستويات الدراسية، حيث شارك طلبة من سنوات متباينة قدموا أعمالاً ترصد مراحل التطور المهاراتي من البدايات التأسيسية وصولاً إلى مراحل التخصص المتقدمة، وبرز في ثنايا هذه الأعمال الجانب الابتكاري من خلال تنوع الأفكار واستخدام خامات وتقنيات متعددة مكنت الطلبة من التعبير عن رؤاهم الذاتية بطرق إبداعية مميزة. وقد اتخذت هذه الأعمال من الهوية العمانية مرتكزاً موضوعياً لها، فاستلهمت مفردات البيئة المحلية، والبورتريه العماني، وجماليات الخط العربي، والمناظر الطبيعية، لتصيغ من خلالها خطاباً بصرياً يجمع بين أصالة الموروث وحداثة الطرح، معززة بذلك القيم الثقافية والتراثية الغنية للسلطنة في قوالب فنية معاصرة.
ويمثل هذا المحفل الفني منصة تفاعلية حيوية تتيح للمجتمع الأكاديمي والمتذوقين فرصة الاقتراب من تجارب جيل صاعد من الفنانين والمعلمين، مما يسهم في تعزيز الحوار الجمالي وتبادل الخبرات بين الطلبة والجمهور، وهو ما يدعم بدوره تنمية الحس الثقافي والذائقة الجمالية في المجتمع المحلي. وفي الختام، يؤكد معرض التربية الفنية السابع والعشرون على الدور الريادي الذي يضطلع به القسم في صقل المواهب الوطنية، وتشجيعها على التجريب والابتكار، بما يضمن إعداد كوادر قادرة على رفد الحركة الفنية والثقافية العمانية بطاقات إبداعية تسهم في بناء مستقبل المشهد التشكيلي في السلطنة.




About the Author