X638311283768843821

 

Banner-02

 

جدلية الحب والمكان

26 Feb, 2026 |
  • شماء بنت خالد البلوشي، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية .

 

 

يرتبط الإنسان بالمكان ارتباطًا عميقًا يتجاوز حدوده الجغرافية؛ إذ لا يترسخ المكان في الذاكرة إلا بقدر ما ارتبط بإنسان. ثمّةَ شيء في الإنسان بداخله عندما يُغادر مكانًا، يزرع في قلبه حبَّ المكان، ويزرع في قلبه حبَّ الإنسان؛ لأنّ المكان بدون إنسان ليس مكانًا، كلاهما مرتبط، وهل يظل المكان في الذاكرة لولا حضورُ الإنسان فيه؟  فإذا كان الإنسان حاضرًا، حضر المكان، والشاعر عندما يصف الديار، هو أساسًا يصف ويتذكر أثر الإنسان في ذلك المكان. يذهب المرء إلى أماكنَ كثيرة، لا يتذكر فيها أحدًا، لا يذكر إحساسًا فيها، لكن عندما تكون مرتبطةً بإنسان، لو مرّ بجانب الديار تذكَّر أثرَ الإنسان فيها والديار.. 

ويجسد قيس بن الملوح هذا المعنى في قوله: 

" أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى    أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا 

وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي     وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا " 

ولا يمكن أنْ يتسلل المكان إلى ذهن إنسانٍ أو ذاكرته، إلا إذا كان للإنسان دورٌ فيه؛ لأنه دائمًا وأبدًا لن يصنع المكان سوى الإنسان. 

 وحين يوصَف الإنسان بالعشق، فإنَّ هذا الوصف لا ينفصل عن منظومةٍ من القيم الأخلاقية والصفات الحَسنة، فالعاشق أو المُحِبّ يُرى كريمًا، مِعطاءً، شجاعًا، ونبيلًا؛ إذْ لا يقترن الحب بالفساد، ولا تجتمع معه الخسة أو المكر. وعلى خلاف ذلك، فإنَّ الكراهية تجمع مختلفَ الخِصال المَعيبة، وتكشف عن انحدارٍ في القيم، فالحب بوصفه شعورًا جليًا، يسمو بالإنسان، ويجعله أكثر شعورًا بالحياة والأمل. 

ومن ثمّ، يستحيل أنْ يجتمع الحب الحقيقي مع الخداع أو اللؤم أو الكذب؛ لأن هذا الشعور، إذا استولى على القلب، ارتقى بالإنسان فوق تلك الصفات، ودفعه إلى تجنب كل ما يُدنس صفاءه. فالمحب لا يمكر، لا يكذب، ولا ينحدر إلى السوء، لأنه يحرص على أنْ يبقى وفيًا للصورة السامية والنقية التي بلغها بهذا الشعور السامي. والحبُّ الحقيقي يستقر في القلب استقرارًا توحيديًا لا يقبل التعدد، فالقلب في تجربة الحب الصادق لا يتسع إلا لواحد، وإذا أوصد بابه على هذا الواحد، استحال أن يفتح لغيره. ومن هنا يغدو القلب فضاءً ونقاءً، لا يحتمل التلوثَ بالكذب والخديعة.  

 ولهذا، فإنَّ المحب الحقيقي إنسانٌ مرهف الحس، صادق الشعور، نقي السريرة، لا يُشبه الصورة الزائفة التي تروّج لها بعض الحكايات والأساطيرَ عن العلاقات التي تبدأ بمسمى الحب، وتنتهي سريعًا بالفراق؛ إذْ أنَّ تلك العلاقات في أصلها، لم تُبنَ على صدق العاطفة، وإنما قامت على أوهام أو مصالح، أو لربما يكون سوء اختيار. وفي هذا السياق، يتبدى الحب بوصفه بلاءً وجوديًا عميقًا، يكاد يعادل الموتَ في أثره النفسي والإنساني؛ فالمصاب به لا يستطيع الفكاك منه، ولا يقدر على تجاوزه، وإذا لم يتحقق له، ظلَّ مُعلقًا بين الحياة والموت، جثة هامدة، غائبَ الروح، حاضرَ الجسد. وأذكر هنا قول ابن حزم الأندلسي في كتابه طوق الحمامة في الأُلفةِ وَالأُلَّاف في فصل الكلام في ماهية الحب، قال: "والحب -أعزك الله- داء عياء، وفيه الدواء منه على قدر المعاناة، وسقام مستلذ، وعلة مشتهاة، لا يود سليمها البرءَ، ولا يتمنى عليلها الإفاقة، يزين للمرء ما كان يأنف منه، ويسهل عليه ما كان يصعب عنده.." 

About the Author