- أسيد بن راشد السيابي، كلية الحقوق.
يمثل إنشاء مركز عُمان المالي العالمي بموجب المرسوم السلطاني رقم (8/2026) لحظة مفصلية في المسار الاقتصادي لسلطنة عُمان، ليس بوصفه مشروعًا إداريًا جديدًا فحسب، بل باعتباره إعلانًا صريحًا عن مرحلة مختلفة في التفكير الاقتصادي والتشريعي للدولة. فالمسألة هنا لا تتعلق بإضافة كيان مؤسسي إلى الهيكل الحكومي، وإنما بإعادة صياغة البيئة القانونية والمالية بما يواكب طموح التحول إلى مركز مالي ذي حضور دولي.
إن منح المركز شخصية اعتبارية مستقلة، مع تشريعات خاصة به لا تسري عليها - في الأصل - أحكام القوانين العُمانية العامة إلا فيما استُثني صراحة، يكشف عن جرأة تشريعية محسوبة. فتبني قواعد القانون الإنجليزي العام في تفسير وتطبيق أحكام المركز، على غرار ما هو معمول به في مركز دبي المالي العالمي، يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المستثمر العابر للحدود، الذي يبحث قبل أي شيء عن الوضوح والاستقرار وإمكانية التنبؤ بالأحكام القانونية.
هذه الخطوة تطرح سؤالًا مهمًا: هل نحن أمام نموذج قانوني مزدوج داخل الدولة؟ والإجابة في تقديري ليست ازدواجية بقدر ما هي تخصيص وظيفي. فالمركز ليس بديلًا عن المنظومة الوطنية، بل مساحة قانونية متخصصة تخدم غرضًا اقتصاديًا محددًا. واستثناء قوانين جوهرية كالقانون الجزائي ومكافحة غسل الأموال من نطاق هذا الاستقلال يؤكد أن السيادة القانونية للدولة تظل الإطار الأعلى الذي لا يُمس.
أما إداريًا، فإن تبعية المركز لنائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية تعكس إرادة سياسية واضحة في جعله أداة استراتيجية ضمن مشروع التنويع الاقتصادي. فالمراكز المالية لا تنجح بمجرد النصوص، بل تحتاج إلى دعم سياسي مباشر ورسالة ثقة للأسواق مفادها أن هذا المشروع يحظى بأولوية وطنية.
وفي الجانب المالي، فإن تمتع المركز بذمة مالية مستقلة وعدم مسؤولية الحكومة عن التزاماته يُعد رسالة مزدوجة: من جهة يمنح الكيان مرونة الحركة، ومن جهة أخرى يعزز مبدأ الحوكمة والانضباط المؤسسي. إنها معادلة الاستقلال المقترن بالمسؤولية.
لكن جوهر التجربة يكمن في الأهداف المعلنة: ترسيخ مكانة عُمان كمركز مالي عالمي، دعم التنويع الاقتصادي، وتعزيز مساهمة القطاع المالي في الناتج المحلي الإجمالي. هذه الأهداف ليست شعارات، بل استحقاقات قابلة للقياس. والإعفاءات الضريبية والجمركية الممتدة لعقود طويلة، إضافة إلى الاستقلال التشريعي والقضائي، تشكل أدوات جذب قوية، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة المركز على بناء سمعة مؤسسية قائمة على الكفاءة والشفافية وسرعة الإنجاز.
اختيار مدينة العرفان في مسقط مقرًا للمركز يحمل دلالة رمزية أيضًا؛ فهو يضع المشروع في قلب العاصمة الإدارية الحديثة، بما يعكس طموحًا لأن يكون هذا الفضاء نقطة التقاء بين الاقتصاد المحلي والمال العالمي.
وفي رأيي، فإن من أبرز ملامح المركز هو تنظيمه القضائي المستقل. فوجود محاكم متخصصة، بدرجتيها الابتدائية والاستئنافية، وأحكام نهائية غير قابلة للطعن بعد الاستئناف، يمنح المستثمرين عنصر اليقين القانوني الذي يعد حجر الزاوية في أي بيئة استثمارية ناجحة. والأهم أن هذه الأحكام تصدر باسم جلالة السلطان، بما يؤكد أنها أحكام وطنية لا كيانات قضائية معزولة عن الدولة.
إن استقلال القضاء داخل المركز لا يعني انفصاله عن المنظومة الوطنية، بل يعكس توجهًا نحو قضاء متخصص قادر على التعامل مع تعقيدات المعاملات المالية الدولية بلغة قانونية مألوفة للمستثمرين العالميين. وهذه نقطة قوة ينبغي البناء عليها من خلال استقطاب قضاة وخبرات قانونية ذات كفاءة عالية.
في المحصلة، فإنني أرى أن مركز عُمان المالي العالمي ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل اختبار لقدرة سلطنة عمان على المواءمة بين الانفتاح التشريعي والحفاظ على الهوية القانونية الوطنية. النجاح لن يتحقق فقط بجاذبية النصوص، بل بفعالية التطبيق، وجودة الإدارة، وسرعة الفصل في المنازعات، وبناء ثقة مستدامة لدى المستثمرين.
هذه الخطوة الطموحة تعكس وعيًا بأن المنافسة في عالم المال اليوم لا تقوم على الموارد فحسب، بل على جودة البيئة القانونية. وإذا ما أُحسن تنفيذ هذا المشروع، فقد يكون بالفعل أحد أهم روافع التحول الاقتصادي لعُمان في العقود المقبلة.