X638311283768843821

 

Banner-02

 

الخوارزميات وإعادة تشكيل الرأي العام

20 Apr, 2026 |

 

 

  • بقلم: المعتز بن نعمان الهنائي.

 

 

 

تخيل أنك تبدأ يومك بتصفح هاتفك الذكي، وفي لحظات تجد أمامك فيديو قصير مدته 15 ثانية أو منشورًا نصيًا موجزًا يحمل عنوانًا يستهدف مشاعرك. بمرور ساعات قليلة، ينتشر هذا المحتوى بسرعة خارقة: من جهازك الشخصي إلى مجموعات العائلة والعمل على تطبيقات المراسلة، ثم إلى الشاشات التلفزيونية في البرامج الصباحية، وصولًا إلى أروقة مجالس الشعوب وقاعات الاجتماعات السياسية الرسمية. لم تعد الأخبار تنتظر صفحات الجرائد المطبوعة أو توقيت نشرات الأخبار التقليدية؛ فقد باتت تُصنع وتنتشر وتؤثر في تشكيل الرأي العام في لمح البصر، بل بشكل مباشر وآني.

هذا الواقع الجديد لم يعد مجرد قفزة تقنية عابرة أو وسيلة ترفيه إضافية، بل هو تحول جوهري يعيد تشكيل المشهد السياسي على مستويات مختلفة. وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، إكس (تويتر سابقًا)، إنستغرام، تيك توك، ويوتيوب أصبحت أكثر من مجرد منصات تواصل؛ لقد تحولت إلى لاعب رئيسي، وأحيانًا إلى قوة مهيمنة في تشكيل الآراء الجماعية، وقيادة النقاشات العامة، ورسم أولويات السياسات المحلية والدولية. كل ذلك يحدث عبر خوارزميات قائمة على الذكاء الاصطناعي، مصممة خصيصًا لتضخيم التفاعل وتعظيم تأثير المحتوى.

على مدار الثلاثين عامًا الماضية، شهدت علاقتنا بالإعلام والمعلومات تحولًا غير مسبوق. في السابق، كان الإعلام التقليدي، كالتلفزيون والصحف والإذاعة، يعتمد على نموذج مركزي هرمي تُنتَج فيه المعلومات من قبل عدد محدود من المؤسسات التي تقوم بتصفية المحتوى وتقديمه للجمهور، الذي كان في الغالب متلقيًا خاملاً للأخبار والمعلومات دون أن تتاح له فرصة كبيرة للتأثير أو الرد المباشر.

لكن مع ظهور المنصات الرقمية، تغير المشهد تمامًا. فقد أصبح بإمكان أي شخص، بغض النظر عن موقعه الجغرافي أو خلفيته الاجتماعية، إنشاء المحتوى ونشره والتفاعل معه بحرية. بل إن هذا التحول أتاح للأفراد القدرة على إعادة صياغة المحتوى أو استخدامه كمادة لحملات جماعية. بذلك، تجاوز دورنا حدود التلقي السلبي، لنصبح منتجين نشطين للمحتوى، ومساهمين في توزيعه، بل ولاعبين أساسيين في تشكيل الروايات السياسية والاجتماعية.

 هذا التغير لم يقتصر على كيفية وصولنا إلى المعلومات، بل شمل طبيعة فهمنا للسياسة والمجتمع وحتى الديمقراطية. لقد أسهم في تحويل هذه المجالات من عمليات مركزية تخضع لسلطة عليا إلى آليات لامركزية ومتواصلة يقودها الأفراد والجماعات. ومع ذلك، فإن هذه الثورة الإعلامية رافقتها ظاهرة جديدة تمثلت في هيمنة "الرأي العام الخوارزمي"، حيث باتت الأفكار تُشكَّل بشكل أكبر وفقًا لخوارزميات المنصات بدلاً من أن تكون نتاج حوار عقلاني تقليدي.

من الجمهور المتلقي إلى الجمهور المشارك: ثورة المشاركة الرقمية وحدودها

إن التطورات التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي تمثل تحولًا جوهريًا من نمط التلقي السلبي إلى التفاعل النشط والمشاركة الفاعلة في المحتوى. بينما كان الجمهور في الماضي يقتصر على مشاهدة الأخبار أو قراءتها دون التفاعل معها، أصبح اليوم قادرًا على التعليق الفوري وإعادة نشر المحتوى مصحوبًا برأيه الشخصي، فضلًا عن الانخراط في حوارات مع الآلاف أو حتى الملايين من الآخرين، مما ساهم في إعادة تشكيل اتجاهات النقاش العام. هذا المستوى من التفاعل اليومي أضفى على الرأي العام طابعًا يتميز بالحيوية والتنوع والديناميكية، وأسهم في رفع صوت فئات اجتماعية كانت مهمشة سابقًا. ومع ذلك، فإن هذا الانفتاح الرقمي تسبب أيضًا في زيادة الفوضى والضبابية، حيث أصبحت الأصوات الجماعية تتداخل ضمن بيئة غير منظمة تعج بالمحتوى العاطفي والتفاعلات السريعة التي تفضلها الخوارزميات.

تعزز ذلك التحول البيانات الواردة من مركز بيو للأبحاث لعام 2025، والتي تفيد بأن حوالي 53% من البالغين الأمريكيين يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار بصفة متقطعة على الأقل، وترتفع النسبة إلى 76% بين الفئة العمرية من 18 إلى 29 عامًا، الذين يظهرون ميلًا أكبر نحو الثقة بالمحتوى الرقمي مقارنة بالإعلام التقليدي. وعلى الصعيد العربي، يشير المؤشر العربي لعام 2025، الذي أعده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، إلى أن 79% من العينة المستطلعة يستخدمون الإنترنت بانتظام (65% منهم يوميًا)، وأن 98% ممن يستخدمون الإنترنت لديهم حسابات على منصات التواصل الاجتماعي. الأرقام تشير أيضًا إلى أن 82% منهم يلجؤون إلى وسائل التواصل للحصول على الأخبار السياسية، بزيادة عن 75% المسجلة سابقًا في عام 2022، بينما يلجأ 57% للتعبير عن آرائهم السياسية عبر هذه المنصات.

 هذه التحولات لا تقتصر على نسبة الاستخدام المرتفعة، بل تمتد إلى تأثير وسائل التواصل في تشكيل التفكير السياسي. فمثلًا، تجد أن شابًا عربيًا في دولة خليجية أو شمال إفريقية يقضي جزءً كبيرًا من وقته على منصات مثل تيك توك وإنستغرام، حيث تتكون آراؤه السياسية غالبًا من مقاطع الفيديو القصيرة المشبعة بالعواطف والتعليقات السريعة، بدلًا من أن تتبلور عبر قراءة مقالات معمقة. بهذه الطريقة برز ما يمكن وصفه بـ "الرأي العام الرقمي"، الذي يتسم بالحيوية والتجدد ويتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية. ومع ذلك، يعاني هذا الرأي العام الديناميكي من ظاهرة فقاعات التصفية التي تُقصي المستخدمين عن التعرض للآراء المخالفة، مما يعمق التحيزات ويحد من التنوع الفكري في النقاشات العامة.

سرعة الانتشار: من القضايا المحلية إلى الأزمات العالمية والعواطف الجماعية

تتميز منصات التواصل الاجتماعي، مقارنةً بوسائل الإعلام التقليدية، بقدرتها الاستثنائية على تحقيق انتشار سريع للمعلومات. إذ يمكن لمشاركة واحدة أن تصل إلى ملايين الأفراد في غضون ساعات قليلة، خصوصًا عندما تقترن بعلامة تصنيف (هاشتاج) فعّالة. هذه السرعة اللافتة تُحوّل قضايا محلية محدودة النطاق إلى أزمات عالمية، مما يولد ضغوطًا هائلة على المؤسسات السياسية التي تجد نفسها مجبرة على التفاعل مع الأحداث في الزمن الفعلي.

وقد كشفت دراسة أجراها Vosoughi وآخرون (2018) ونُشرت في مجلة Science أن الأخبار الزائفة تمتلك قدرة على الانتشار أسرع بست مرات من الأخبار الحقيقية، وهو ما يُعزى إلى ميل الفرد البشري لمشاركة المحتوى الذي يثير مشاعر قوية. أما في السياق العربي، فقد أشار المؤشر العربي لعام 2025 إلى أن نسبة 74.4% من الأفراد يرون بأن منصات التواصل الاجتماعي تسهم في نشر الأخبار الكاذبة. وعلى الرغم من أن هذه النسبة تمثل تراجعًا طفيفًا مقارنة بنسبة 84% المسجلة عام 2022، إلا أنها لا تزال تعكس تأثير هذه الظاهرة في تعزيز الانقسامات المجتمعية، خاصة خلال الأزمات الكبرى مثل الحرب على غزة.

وسائل التواصل والحملات السياسية: من الخطب إلى التفاعل المباشر والتأثير غير المتكافئ

باتت المنصات الرقمية جزءًا لا غنى عنه في الحملات الانتخابية، إذ تمكّن السياسيين من التواصل المباشر مع جمهور الناخبين. ووفقًا لتقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية لعام 2025، شهد العالم ارتفاعًا ملحوظًا في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار، إلى جانب ميل متزايد نحو المحتوى المرئي وانتشار دور المؤثرين. على الصعيد العربي، لعبت هذه المنصات دورًا مزدوجًا: فقد ساعدت في دعم الاحتجاجات الشعبية وفي الوقت ذاته أفسحت المجال أمام انتشار حملات تضليلية.

المعلومات المضللة والاستقطاب السياسي: الجانب المظلم والآليات النفسية

على الرغم من المزايا التي تقدمها، أصبحت المنصات الرقمية ساحة خصبة لانتشار المعلومات المضللة وظهور ما يُعرف بـ "غرف الصدى". في العالم العربي، تُظهر الإحصاءات أن 41% فقط يثقون بالمعلومات المقدمة عبر هذه المنصات، وهو انخفاض ملحوظ. بالإضافة إلى ذلك، يعرب 37% عن مخاوفهم من المراقبة الحكومية، مما يسهم في تعميق حالة الاستقطاب. هذا يؤثر سلباً على الانفتاح على وجهات النظر المختلفة ويضعف الثقة المتبادلة بين الأفراد.

الخوارزميات: اللاعب الخفي الذي يشكل النقاش والرأي العام

في خلفية عمليات المنصات الرقمية، تعمل الخوارزميات بشكل موجه لتحديد المحتوى المعروض بناءً على السلوكيات السابقة للمستخدمين، مما يؤدي إلى تفضيل المحتوى العاطفي بغرض تعزيز معدلات البقاء على المنصة، وهو ما يُعرف باقتصاد الانتباه.

 أجرت دراسة Piccardi et al. (2025)، المنشورة في مجلة "Science"، تجربة باستخدام امتداد متصفح على منصة إكس لتقييم تأثير التعرض المتزايد للمحتوى الذي يتضمن الكراهية الحزبية أو المواقف المعادية للديمقراطية. نتائج الدراسة أظهرت أن هذا النوع من المحتوى يساهم في زيادة الاستقطاب العاطفي بمستوى يعادل ثلاثة أعوام من التغيرات الطبيعية، في حين أن تقليل هذا التعرض كان له تأثير موازٍ في تخفيض درجة الاستقطاب، كما أن التأثير كان ملموسًا بشكل مزدوج عبر الأطياف الحزبية.

من جهة أخرى، أكدت دراسة Gauthier et al. (2026)، المنشورة في مجلة "Nature"، أن الانتقال نحو استخدام الإعدادات الخوارزمية بدلًا من التغذية الزمنية على منصة إكس يؤدي إلى زيادة معدلات التفاعل ويؤثر على توجهات الأفراد نحو مواقف أكثر ميولًا للمحافظة في قضايا محددة، مثل تحقيقات ترامب والحرب في أوكرانيا. اللافت في النتائج أن هذا التأثير يستمر حتى بعد العودة إلى استخدام التغذية الزمنية، مما يكشف عن الأثر المستمر للخوارزميات في صياغة الآراء والتوجهات السياسية بشكل غير مباشر.

أما في السياق العربي، تبرز هذه الدينامية بشكل واضح نظرًا للطبيعة الخاصة للمنطقة التي تشهد تداخل العوامل المختلفة مثل الرقابة المفرطة والصراعات الإقليمية. كل ذلك يؤدي إلى دفع الشباب باتجاه استهلاك المحتوى العاطفي، ما يعزز تكوين فقاعات إعلامية واجتماعية تزيد من عزلة الجماعات وتعمق الفجوات الفكرية.

التأثير في المنطقة العربية والتحديات المستقبلية

في السياق العربي، يتسم التحول الرقمي بطابع خاص نتيجة الهيكل الديموغرافي للشباب واعتماد السكان الكبير على الهواتف الذكية. أصبحت المنصات الرقمية وسيلة أساسية للتعبير، لا سيما في ظل القيود المفروضة على الوسائل الإعلامية التقليدية. ومع ذلك، فقد أسهمت هذه المنصات في بعض الأحيان في انتشار الخطاب الطائفي وترويج الشائعات. يتمثل التحدي الرئيسي في تحقيق توازن بين تعزيز حرية التعبير وتحمل المسؤولية الاجتماعية، وذلك من خلال دعم آليات مراقبة المحتوى المسيء، مع الإبقاء على مخاوف مشروعة بشأن إمكانية تحول تلك الآليات إلى أدوات لقمع حرية التعبير المشروع.

نحو توازن بين الحرية والمسؤولية في عصر الخوارزميات

باتت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا حيويًا من المشهد السياسي، إذ وفّرت منصة تتيح التعبير للجميع، لكنها في الوقت ذاته أسهمت في إذكاء الانقسامات وترويج المعلومات المضللة. التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الكيفية التي نديرها بها. يتطلب ذلك تعزيز الوعي الإعلامي، تطوير خوارزميات تعمل بشفافية أكبر، ودعم مبادرات تنظيمية فعّالة مثل قانون الخدمات الرقمية الأوروبي. مصير الرأي العام بات مرتبطًا بكل منشور، تعليق، وحتى بخيارات الخوارزميات. لذا فإن بناء بيئة سياسية أكثر صحة وديمقراطية يعتمد على وعينا المتزايد وجهودنا المشتركة.

 

 

About the Author