نتائج مسح طائر البوم في محافظة البريمي
قراءة علمية في التنوع البيولوجي وأهمية المحافظة على الأنواع
- إعداد: خليفة الزيدي وأحمد السديري، مركز الدراسات والبحوث البيئية.
يُعدّ طائر البوم من أهم الطيور الجارحة الليلية التي تؤدي دوراً محورياً في حفظ التوازن البيئي؛ إذ يسهم بصورة مباشرة في تنظيم أعداد القوارض والحشرات، كما يُعد مؤشراً حيوياً على جودة الموائل الطبيعية وقدرتها على دعم التنوع البيولوجي. وفي إطار الجهود الوطنية لتعزيز المعرفة بالموارد الطبيعية وصونها، نفذت إدارة البيئة بمحافظة البريمي خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 مشروعاً ميدانياً لمسح طيور البوم، بتعاون علمي من مركز الدراسات والبحوث البيئية بجامعة السلطان قابوس، بهدف سدّ الفجوة في البيانات المتعلقة بتوزيع هذه الطيور وأنماط سلوكها وموائلها في المحافظة. وقد ضم فريق البحث الميداني في محافظة البريمي مجموعة من المختصين بإشراف كل من الفاضل ناصر اليعقوبي والفاضل محمد البلوشي، الذين أسهموا في تنفيذ أعمال الرصد والتوثيق الميداني.
تكمن أهمية هذا المشروع في كونه من الدراسات القليلة التي تتناول بمنهجية علمية دقيقة وجود طائر البوم في البيئات الجبلية والصحراوية والزراعية بمحافظة البريمي، وهي بيئات تتباين مناخياً وجغرافياً بما ينعكس على خصائص الحياة البرية وتوزيعها. وقد ارتكزت منهجية المشروع على الدمج بين الرصد المباشر، وتحليل خصائص الموائل، ودراسة الأنماط السلوكية للأنواع المرصودة.
أسفرت نتائج المسح في محافظة البريمي عن رصد عدد من أنواع طائر البوم، وهي: البومة النسارية، البومة الصمعاء، البومة الصغيرة، بومة المخازن، بومة الأشجار الأوروبية، وبومة الأشجار المخططة؛ بما يعكس قدرة موائل المحافظة على دعم تنوع ملحوظ من هذه المجموعة. كما بينت البيانات أن ولايات المحافظة الثلاث (البريمي، ومحضة، والسنينة) تُظهر فروقاً واضحة في نوعية الموائل وثرائها الحيوي، الأمر الذي انعكس على عدد المشاهدات وتنوع الأنواع المرصودة.
وأظهرت النتائج أن المناطق الجبلية الواقعة بين ولايات المحافظة شكلت بيئة ملائمة للتعشيش والاختباء، نظراً لوفرة الكهوف والشقوق الصخرية التي توفر حماية طبيعية من العوامل المناخية والمفترسات. كما اتضح أن الوديان والسهول تمثل موائل مهمة، إذ تستفيد البوم من الأشجار الكبيرة والحفر الطبيعية كمواقع محتملة للتعشيش، مدعومة بتوفر الفرائس مثل القوارض والزواحف الصغيرة. وتمتد هذه الموائل على مساحات واسعة من المحافظة، بما يخلق شبكة بيئية مترابطة تدعم التكاثر والبحث عن الغذاء.
وفي البيئات الصحراوية وشبه الصحراوية في ولايتي البريمي والسنينة، لوحظت أنشطة للبومة الصغيرة التي تمتاز بقدرتها على التكيف مع الغطاء النباتي المحدود. أما ولاية محضة فقد سجلت العدد الأكبر من المشاهدات خلال فترة المسح، ويُعزى ذلك إلى تنوع تضاريسها بين سهول وهضاب ومرتفعات جبلية تُعد امتداداً لسلسلة جبال الحجر الغربي، بما يوفر تنوعاً في الموارد الغذائية. كما تسهم الواحات والمناطق الزراعية في محضة بتوفير مصادر للمياه والغذاء، الأمر الذي يعزز وجود أنواع متعددة من البوم، سواء المقيمة أو الزائرة.
ومن الناحية الكمية، سجلت ولاية السنينة مشاهدة واحدة فقط للبومة الصغيرة، بما قد يشير إلى محدودية الموائل المناسبة أو انخفاض كثافة الفرائس في بعض مناطقها. وفي ولاية البريمي، وثّق الفريق خمس مشاهدات شملت البومة الصمعاء والبومة النسارية، إلى جانب ثلاث مشاهدات للبومة الصغيرة، وهو ما يؤكد ثراء الأنواع في هذه الولاية. أما ولاية محضة فقد تميزت بأعلى نسبة من المشاهدات، وبرزت بوصفها المنطقة الأهم في دعم تنوع طيور البوم على مستوى المحافظة خلال مدة الدراسة.
وتشير هذه النتائج إلى حاجة ملحّة لتعزيز الجهود البحثية وجهود الحماية لطيور البوم في محافظة البريمي، خاصة في ظل التحديات البيئية التي تشهدها المنطقة مثل تراجع الغطاء النباتي في بعض المواقع. كذلك تؤكد النتائج أهمية تبني إجراءات عملية تشمل: المراقبة الدورية للأنواع، وتحديد أولويات الحماية، وإطلاق برامج توعوية تستهدف المجتمع المحلي لتعزيز فهمه للدور البيئي للبوم وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة المرتبطة به.
يذكر أن المسح الميداني الذي نفذته إدارة البيئة بمحافظة البريمي يُمثل خطوة علمية رائدة نحو بناء قاعدة بيانات أكثر تكاملاً حول طيور البوم في سلطنة عُمان. ويسهم هذا الجهد في دعم مبادرات صون التنوع البيولوجي، كما يؤسس لبرامج مستقبلية في إدارة الموائل وحماية الأنواع، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية نحو استدامة الموارد الطبيعية وحفظها للأجيال القادمة.
About the Author